أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
106
التوحيد
أقاويل الدهرية وبيان فسادها قال أبو منصور رحمه اللّه : ثم نذكر أقاويل الدهرية على ما ذكره ابن شبيب وغيره ليظهر مذاهبهم فإن ظهورها أحد أدلة فسادها ، بعد أن يعلم اتفاقهم في قدم طينة العالم واختلافهم في قدم الصنعة وحدثها ، وهذا جملة مذاهبهم . زعم أصحاب الطبائع أنهنّ أربع : حرّ وبرد ، وندوّة ويبس ، واختلف العالم باختلاف الامتزاج منها ، واعتدل ما اعتدل منها باستواء المزاج منها ، وعلى ذلك مجرى الشمس والقمر والنجوم ، ولم يزل يجري بمثل الذي يجري كما ترى لا أول للأشياء ، وسموا حركاتها أعراضا ، وضربوا لباطلهم هذا مثلا من نحو الأصباغ كالبياض والحمرة والسواد والخضرة ، إنها عند الامتزاج على قدر الكثرة والقلة والرّقة والكثافة تختلف ألوانها لا أن يكون ثمة حادث لون ، وإن كان ربما يخرج على ما لا يعرف أهل هذه الألوان أنّ ذلك مم خرج ، فمثله ما ذكروا من الطبائع . قال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه : فمن تأمل هذا القول بما ضربوا له من المثل وجده يثبت قول أهل التوحيد ، لأن الأصباغ لأنفسها لا تمتزج ، ثم هي لو امتزجت لأنفسها خرجت على لون مستسمج مما عدّ ذلك في العقول فساد للأصباغ ، فإذا مزجها حكيم عليم يعلم عواقب ذلك المزاج خرج متقنا مستحسنا ، ثم كان العالم خرج متقنا ثبت أن الذي به كان العالم عليم حكيم يعرف عواقب الأشياء فأخرجها على ذلك ، وفي ذلك فساد أن يكون تلك الطبائع أو الطينة أو ما سموا من الأسماء لنفسها صارت بحيث يكون على ما عليه يخرج ، فثبت أن الذي أنشأها كذلك مدبر حكيم ، ويجب تكوينها لا من شيء . مع ما كانت الألوان كل لون منها لا يوصف بشيء مما ذكروا من الحرارة والبرودة ؛ إذ قد يكون في الأشياء شيء يغلب عليه لون منها وهو حار ، وآخر يغلب عليه ذلك وهو مع ذلك بارد ، فثبت أنه لم يكن شيء من ذلك الألوان بما ذكروا ولا ما ذكروا بها ، وفي ذلك إيجاب غير الذي قالوا ، وباللّه التوفيق . وكذلك يجد ما فيها من الطعوم مختلفة حتى يكون بلون واحد وطبيعة واحدة تخرج على نوع من الطعم نحو الملوحة أو الحموضة أو المرارة أو الطينة التي لا يضرب إلى شيء من ذلك ، ثبت أن ذلك كان بتدبير من يملك جعل كل على ما شاء من غير أسباب ، ولا قوة إلّا باللّه . على أن هذه الطبائع لا يخلو من أن يكون جواهر أو أعراضا ، فإن كانت جواهر